الجصاص

213

أحكام القرآن

فأخبر الله تعالى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم قوله تعالى : ( إنه عمل غير صالح ) ، قيل فيه : معناه ذو عمل غير صالح ، فجاء على المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء : ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار تعني : ذات إقبال وإدبار ، أو مقبلة ومدبرة . وروي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم قال : " سؤالك هذا عمل غير صالح " . وقرأ الكسائي : " إنه عمل غير صالح " على الفعل ونصب غير . وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أنه كان ابنه لصلبه ، لأنه قال تعالى : ( ونادى نوح ابنه ) . وقال : ( إنه ليس من أهلك ) يعني ليس من أهل دينك . وروي عن الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه لصلبه وكان لغير رشدة ، وقال الحسن : وكان منافقا يظهر الإيمان ويسر الكفر . وقيل : إنه كان ابن امرأته . وإنما كان نوح يدعوه إلى الركوب مع نهي الله عز وجل إياه أن يركب فيها كافر لأنه كان ينافق بإظهار الإيمان ، وقيل إنه دعاه على شريطة الإيمان كأنه قال : آمن واركب معنا . قوله تعالى : ( هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ) نسبهم إلى الأرض ، لأن أصلهم وهو آدم خلق من تراب الأرض والناس كلهم من آدم عليه السلام . وقيل إن معناه أنه خلقكم في الأرض . مطلب : تجب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية وقوله : ( واستعمركم فيها ) يعني : أمركم من عمارتها بما تحتاجون إليه . وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية . وروي عن مجاهد : " معناه : أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم " ، وهذا كقول القائل : " أعمرتك داري هذه " يعني ملكتك طول عمرك . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من أعمر عمري فهي له ولورثته من بعده " . والعمرى هي العطية ، إلا أن معناها راجع إلى تمليكه طول عمره ، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم العمرى والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره لأنهم كانوا يعقدون ذلك على أنه بعد موته يرجع إلى الواهب . قوله تعالى : ( قالوا سلاما قال سلام ) معنى الأول : سلمت سلاما ولذلك نصبه ، والثاني جوابه : عليكم سلام ، وكذلك رفعه . ومعناهما واحد ، إلا أنه خولف بينهما لئلا يتوهم متوهم الحكاية . وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية أهل الاسلام وأنه تحية الملائكة .